الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

106

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

واعلم أن الصبر على الأذى جهاد النفس ، وقد جبل اللّه تعالى النفس على التألم بما يفعل بها ، ولهذا شق عليه - صلى اللّه عليه وسلم - نسبتهم له إلى الجور في القسمة ، لكنه - عليه السّلام - حلم على القائل وصبر ، لما علم من جزيل ثواب الصابر وأن اللّه يأجره بغير حساب . وصبره - صلى اللّه عليه وسلم - على الأذى إنما هو فيما كان من حق نفسه ، وأما إذا كان اللّه فإنه يمتثل فيه أمر اللّه تعالى من الشدة كما قال له تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ « 1 » وقد وقع له - صلى اللّه عليه وسلم - أنه غضب لأسباب مختلفة مرجعها إلى أن ذلك كان في أمر اللّه ، وأظهر الغضب فيها ليكون أوكد في الزجر . فصبره وعفوه إنما كان فيما يتعلق بنفسه الشريفة - صلى اللّه عليه وسلم - . وقد روى الطبراني وابن حبان والحاكم والبيهقي عن زيد بن سعنة - بالمهملة والنون المفتوحتين ، كما قيده به عبد الغنى وذكره الدّارقطني : وبالمثناة التحتية ، ثبت في الشفاء وصحح عليه مؤلفه بخطه ، وهو الذي ذكره ابن إسحاق ، وهو كما قاله النووي : أجل أحبار اليهود الذين أسلموا - أنه قال : لم يبق من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفته في وجه محمد حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه : يسبق حلمه جهله ، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما . فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه وجهله ، فابتعت منه تمرا إلى أجل فأعطيته الثمن ، فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة أتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه ، ونظرت إليه بوجه غليظ ثم قلت : ألا تقضينى يا محمد حقي ، فو اللّه إنكم يا بنى عبد المطلب مطل ، فقال عمر : أي عدو اللّه ، أتقول لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ما أسمع فو اللّه لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي رأسك ، ورسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة وتبسم ثم قال : « أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر ، أن تأمرني بحسن الأداء ، وتأمره بحسن التباعة ، اذهب به يا عمر فاقضه حقه وزده عشرين صاعا مكان ما رعته » ، ففعل ، فقلت : يا عمر ، كل علامات النبوة قد

--> ( 1 ) سورة التوبة : 73 .